الخطيب القزويني
27
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية )
واعلم أن هؤلاء وإن كانوا هم الآفة العظمى في هذا الباب ، فإنّ من الآفة أيضا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة في شيء مما تعرف المزية فيه ، ولا يعلم إلا أن له موقعا من النفس ، وحظا من القبول ، فهذا بتوانيه في حكم القائل الأول . واعلم أنه ليس إذا لم يمكن معرفة الكل وجب ترك النظر في الكل ، ولأن تعرف العلة في بعض الصور ، فتجعله شاهدا في غيره ، أحرى من أن تسدّ باب المعرفة على نفسك ، وتعوّدها الكسل والهوينا . قال الجاحظ : وكلام كثير جرى على ألسنة الناس ، وله مضرة شديدة وثمرة مرّة ، فمن أضر ذلك قولهم : " لم يدع الأول للآخر شيئا " فلو أن علماء كل عصر - مذ جرت هذه الكلمة في أسماعهم - تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمن قبلهم لرأيت العلم مختلا . القول في أحوال الإسناد الخبري من المعلوم لكل عاقل أن قصد المخبر بخبره إفادة المخاطب إما نفس الحكم كقولك : " زيد قائم " لمن لا يعلم أنه قائم ، ويسمى هذا فائدة الخبر ، وإما كون المخبر عالما بالحكم ، كقولك لمن زيد عنده ، ولا يعلم أنك تعلم ذلك : " زيد عندك " ويسمى هذا لازم فائدة الخبر . قال السكاكي : والأولى بدون هذه تمتنع ، وهذه بدون الأولى لا تمتنع ، كما هو حكم اللازم المجهول المساواة ، أي يمتنع أن لا يحصل العلم الثاني من الخبر نفسه عند حصول الأول منه ، لامتناع حصول الثاني قبل حصول الأول ، مع أن سماع الخبر من المخبر كاف في حصول الثاني منه ، ولا يمتنع أن لا يحصل الأول من الخبر نفسه عند سماع الثاني منه ؛ لجواز حصول الأول قبل الثاني ، وامتناع حصول الحاصل . وقد ينزّل العالم بفائدة الخبر ولازم فائدته منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم ؛ فيلقى إليه الخبر كما يلقى إلى الجاهل بأحدهما . قال السكاكي : وإن شئت فعليك بكلام رب العزة : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [ البقرة : الآية 102 ] كيف تجد صدره يصف أهل الكتاب بالعلم على سبيل التوكيد القسميّ ، وآخره ينفيه عنهم ، حيث لم يعملوا بعلمهم ؟ ! ونظيره في النفي والإثبات : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ [ الأنفال : الآية 17 ] ، وقوله تعالى : وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ( 12 ) [ التوبة : الآية 12 ] .